العيني
294
عمدة القاري
بنور المعرفة ، ولم يتعجب من النحلة جمع الله فيها الشفاء والسم معاً ، فتعسل من أعلاها وتسم من أسفلها بحمتها ، والحية سمها قاتل ولحمها مما يستشفى به من الترياق الأكبر من سمها ، فريقها داء ولحمها دواء ، ولا حاجة لنا مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الصدوق إلى النظائر ، وأقوال أهل الطب الذين ما وصلوا إلى علمهم إلاَّ بالتجربة ، والتجربة خطر ، والله على كل شيء قدير ، وإليه التوكل والمصير . * ( بِسْمِ الله الرحْمان الرَّحيم ) * 77 ( ( كتابُ اللِّباسِ ) ) أي : هذا في كتاب بيان أنواع اللباس وأحكامها ، واللباس ما يلبس وكذلك الملبس واللبس بالكسر واللبوس أيضاً ما يلبس ، وأورد ابن بطال هذا الكتاب بعد الاستئذان ، ولا وجه له . وقَوْلِ الله تعالى : * ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) * ( الأعراف : 23 ) . وقول الله ، بالجر عطفاً على اللباس ، وهذا المقدار من الآية المذكورة قد ذكر في رواية الأكثرين ، وزاد أبو نعيم : * ( والطيبات من الرزق ) * وفي رواية النسفي قال الله تعالى : * ( قل من حرم زينة الله ) * الآية ، وهذه الآية عامة في كل مباح ، وقيل : أي من حرم لبس الثياب في الطواف ، ومن حرم ما حرموا من البحيرة وغيرها . وقال الفراء : كانت قبائل العرب لا يأكلون اللحم أيام حجهم ويطوفون عراة ، فأنزل الله الآية ، وكذا روي عن إبراهيم النخعي والسدي والزهري وقتادة وآخرين : أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت وهم عراة . قوله : ( والطيبات ) أي : المستلذات من الطعام ، وقيل : الحلال من الرزق . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : كُلُوا واشْرَبُوا والْبَسُوا وتَصَدَّقُوا في غَيْرِ إسْرَاف ولا مَخِيلَةٍ . هذا التعليق في رواية المستملي والسرخسي فقط ، ولم يذكر في رواية الباقين ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون : أنا همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره . قوله : ( من غير إسراف ) يتعلق بالمجموع ، والإسراف صرف الشيء زائداً على ما ينبغي . قوله : ( ولا مخيلة ) بفتح الميم الكبر من الخيلاء التكبر ، وقال ابن التين : المخيلة على وزن مفعلة من اختال إذا تكبر ، وقال الموفق عبد اللطيف البغدادي : هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه ، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة ، فإن السرف في كل شيء يضر بالمعيشة فيؤدي إلى الإتلاف ويضر بالنفس إذا كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال ، والمخيلة تضر بالنفس حيث يكسبها العجب ، ويضر بالآخرة حيث تكسب الإثم ، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس . وقال ابنُ عبّاسٍ : كُلْ ما شِئْتَ والْبَسْ ما شِئْتَ ما أخْطأتْكَ اثْنتانِ : سَرَفٌ أوْ مَخيلَةٌ . هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس . قوله : ( ما خطئتك ) كذا وقع لجميع الرواة بإثبات الهمزة بعد الطاء ، وأورده ابن التين بحذفها ، ثم قال : والصواب إثباتها . وقال الجوهري : يقال : خطئت ، ولا يقال : خطيت ، ومعناه . كل ما شئت من الحلال وألبس ما شئت من الحلال ما دامت أخطأتك ، أي : تجاوزتك اثنتان : أي خصلتان . وقال الكرماني : ما أخطأتك أي : ما دام تجاوز عنك خصلتان ، والإخطاء التجاوز من الصواب أو ما نافية أي : لم يوقعك في الخطأ اثنتان ، والخِطء الإثم وقال بعضهم : وفيه بعد ، ورواية معمر ترده حيث قال : ما لم يكن سرف أو مخيلة . قلت : لا بعد فيه لأن معناه صحيح لا يخفى ذلك على من يتأمله ، قوله : ( سرف أو مخيلة ) بيان لقوله : اثنتان ، وكان القياس أن يقال : سرف ومخيلة ، بالواو ولكن : أو تجيء بمعنى الواو كما في قوله تعالى * ( ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ) * ( الإنسان : 24 ) . على تقدير النفي إذ انتفاء الأمرين لازم فيه . 5783 حدّثنا إسْماعيلُ قال : حدّثني مالِك عنْ نافِعٍ وعبْدِ الله بنِ دِينار وزَيْدِ بنِ أسْلمَ